فن الخط العربي في الحضارة الإسلامية

تقييم المستخدم: / 22
ضعيفجيد 

د. راغب السرجاني

الخط  الديوانيالقيمة الجمالية للخط العربي

يُعَدُّ فنُّ الخطِّ العربي فنًّا إسلاميًّا خالصًا؛ فهو من صنيع الدين الإسلامي، وله ارتباطه الوثيق بكتابه الكريم، ولم يَسْبِق للكلمة أن كانت فنًّا مرئيًّا في أُمَّة من الأمم قبل نزول القرآن الكريم، وإذا كان لكل أُمَّة من الأمم لغتها، ولها كتاباتها، فإن هذه الكتابات ظَلَّتْ في وظيفتها التعبيرية، باعتبارها رموزًا منطقية لمعانٍ يُرَادُ التعبير عنها، ولكن لم يحدث أن ارتفعت هذه الرموز لتصبح فنًّا جماليًّا، كما حدث للكلمة العربية بعد أن أضفى عليها القرآن الكريم رداء قداسته[1].

 

يقول الدكتور إسماعيل فاروقي[2]: "لا نجد بين مَنْ ينتمون إلى تلك الثقافات جميعًا -أي: شعوب ما بين النهرين، والعبرانيون، والهندوكيون؛ ومثلهم الإغريق والرومان... بما في ذلك العرب أنفسهم- مَنْ حاول اكتشاف القيمة الجمالية للكلمة المرئيَّة؛ فالكتابة كانت -ولا تزال في الغالب- عملية فَجَّة، ولا يتركَّز حولها أيُّ اهتمام جمالي في ثقافات العالم؛ ففي الهند وفي بيزنطة وفي الغرب المسيحي ظَلَّت الكتابة محصورة في وظيفتها التعبيرية، أي في كونها رموزًا منطقية، وكان دورها تكميليًّا فقط في الفنون المرئية (التشخيصية) في المسيحية أو الهندوكية، بمعنى أنها تُسْتَخْدَم كرمزية منطقية تُعَبِّر عن مضمون العمل الفني... لكن ظهور الإسلام قد فتح آفاقًا جديدة أمام الكلمة كوسيلة للتعبير الفنِّيِّ. حقًّا إن العبقرية الإسلامية هنا لا تُضَارَعُ، إن هذا الخطَّ قد أصبح لونًا من ألوان الأرابيسك، يمكننا إذن أن نتصوَّرَه عملاً فنيًّا مستقلاًّ، إسلاميًّا خالصًا، بِغَضِّ النظر عن مضمونه الفكري"[3].

 

ويُؤَكِّد ذلك الدكتور مصطفى عبد الرحيم فيقول: "إن الخطَّ العربي هو الفنُّ الوحيد الذي نشأ عربيًّا خالصًا، صافيًّا نقيًّا، ولم يتأثَّر بمؤَثِّرَات أخرى... ويقول بعض المستشرقين: إذا أردتَ أن تدرس الفنَّ الإسلامي؛ فعليك أن تتَّجِهَ مباشرة إلى فنِّ الخطِّ العربي"[4].

 

وقد أجمعت المصادر العربية؛ كالعقد الفريد، وخلاصة الأثر، والبداية والنهاية، والكامل، والفهرست، وصبح الأعشى، وغيرها، بأن الخطَّ العربي لم يَنَلْ عند أُمَّة من الأمم ذوات الحضارة ما ناله عند المسلمين، من العناية به، والتفنُّنِ فيه[5].

 

فخلال مُدَّةٍ وجيزة استطاع الفنان المسلم أن يجعل للكلمة وظيفة أخرى مرئية، إضافة إلى وظيفتها المسموعة، وما أن وَلَجَتِ الكلمة هذا الميدان الجمالي حتى بدأ التطوُّر يسير بها في خطوات حثيثة، واكبت خطوات فنِّ الزخرفة، بل تَقَدَّمَتْهَا، وكان بين الفَنَّيْنِ تعاونٌ وثيق[6].

 

تعدد أنواع الخط العربي

ولا أدلَّ على عناية المسلمين بذلك الفنِّ الأصيل والتفنُّن فيه من تَعَدُّد أنواعه وكثرتها؛ فمن ذلك: الخط الكوفي[7] - الخط النسخي - خط الثلث - الخط الأندلسي - خط الرقعة - الخط الديواني - خط التعليق (الفارسي) - خط الإجازة.

 

الخط  الاندلسيوقد تفرَّع عن هذه الخطوط فروعٌ أخرى جعلتْ هذا الفنَّ ثريًّا قادرًا على العطاء، يحمل إمكانية التكيُّف؛ ليُؤَدِّيَ دوره في كل الأحوال والمناسبات؛ فقد تفرَّع عن الكوفي مثلاً: الكوفي المورق - الكوفي المزهر - الكوفي المنحصر - الكوفي المعشق أو المظفر أو الموشح، وتفرَّع عن الخط الديواني: جلي الديواني، وتفرَّع عن خط الثلث: جلي الثلث، وهكذا[8].

 

إبداع الفنان المسلم في الخط

وقد عمد الفنان المسلم -بعض الأحيان- إلى إدخال أكثر من خطٍّ في اللوحة الواحدة؛ ممَّا أضفى على عطائه بهاءً وروعة، ودفع هذا الفنَّ إلى التقدُّم والإبداع، وكانت المنافسة فيه استكمالاً وتحسينًا، بدافع الوصول إلى غاية الجمال[9].

 

ولم يقف الفنان المسلم في فنِّ الخطِّ عند حدود الحرف وتحسينه، بل قطع شوطًا آخر؛ إذ جعل الحرف نفسه مادَّة زخرفية، فتحوَّلَتْ لوحاتُ الخطِّ إلى لوحات جمالية زخرفية، وإنك لَتَعْجَب من قُدْرَةِ الفنان المسلم على التحكُّم في اللوحة؛ إذ استطاع أن يُحَمِّلَ الحرفَ مهمَّتَيْنِ في آنٍ واحد؛ المهمَّة التعبيريَّة والمهمَّة الزخرفيَّة، ثم جعل من المهمَّة الثانية جلبابًا للمهمَّة الأولى.

 

لوحة فنية  من الخط العربيولم يكتفِ الفنان المسلم بما توصَّل إليه في فنِّ الخطِّ من الإبداع الذي بلغ الذروة، بل اتَّجَه بالحرف إلى آفاقٍ جديدة؛ حيث أصبح الحرفُ أداة لفنٍّ تشكيليٍّ، ومادَّةً فعَّالةً أثبتتْ قُدْرَتها على العطاء، فما أن تَقَعَ العينُ على اللوحة حتى تَجِدَ نفسها -للوهلة الأُولَى- أمام رسم تشخيصيٍّ لهيئة ما (طائر - حيوان - فاكهة - قِنديل)، فإذا ما تفحَّصَتْهُ وجدَتْ أنَّ التشكيل لم يَكُنْ غير كلمات وأحرف عربية أبدع الفنان إخراجها، وغالبًا ما يكون معناها وثيقَ الصلة بالشكل الظاهر، وهنا يكمن الإبداع[10].

 

هكذا كان تراث المسلمين رائعًا في مجال الخط العربي، الأمر الذي جعله فنًّا مميِّزًا للحضارة الإسلامية على امتداد عصورها، وفي كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي.

 

د. راغب السرجاني


[1] صالح أحمد الشامي: الفن الإسلامي التزام وإبداع ص196.

[2] إسماعيل الفاروقي: (1339-1406هـ/ 1921-1986م) واحد من أبرز المتخصصين بدراسة الإسلام في العالم، فلسطيني حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، درس في أمريكا وباكستان، وكان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أمريكا.

[3] مجلة المسلم المعاصر، عدد (25)، عام 1401هـ.

[4] ملحق "الأنباء" الكويتية، عدد (517)، تاريخ 16/7/1986م.

[5] ناجي زين الدين: مصور الخط العربي ص315.

[6] صالح أحمد الشامي: الفن الإسلامي التزام وإبداع ص198.

[7] هو الخط الذي حمله الفاتحون المسلمون لنشر دينهم وشريعتهم، وكل النسخ الخطية من المصاحف السابقة للقرن الرابع الهجري مكتوبة به، وقد جوَّده علماء الكوفة. انظر: ناجي زين الدين: مصور الخط العربي ص339.

[8] انظر: صالح أحمد الشامي: الفن الإسلامي التزام وإبداع ص198، 199.

[9] انظر: المصدر السابق ص199.

[10] المصدر السابق ص200-207.

التعليقات 

 
+3 #2 الإثنين, 05 تشرين1/أكتوير 2009
انا مدرسة خطوط عربيه باحدى المدارس ارجوكو ان توصلو صوتنا لمن يهمه الامر مدارس الخطوط العربيه تحت ضغط وزارة التربيه والتعليم مهدده بلانغلاق حيث انه يتم التضيق على نشاط المدارس من خلال ماتسنه الوزاره من لوائح وقوانين من حيث مصاريف المتقدمين للدراسه فى هذه المدار س حيث ان الوزاره تريد من القائمين على المدارس تسديد المصروفات قبل وفود الطلاب حيث ان هذه المدارس مهمله من قبل العموم لان هذا الفن اصلا لم يلقى اهتمامه من قبل الدوله وعدم تصليت الضوء عليه مثل باقى الفنون وكان هناك شخص بعينه يريد القضاء على هذه المدارس ارجوك يا دكتور راغب وصل صوتنا
اقتباس
 
 
+1 #1 الثلاثاء, 14 نيسان/أبريل 2009
ونريد المزيد فأن الطمع فى الدين وبصراحة نحن متعطشين لديننا الحنيف ويعلم الله كم تكلفت رغم دخلى البسيط لأتمكن من ان اتعلم فالجاهل هو الذى لايتعلم00 بارك الله فيكم0
اقتباس
 

إضافة تعليق


جميع الحقوق محفوظة لموقع قصة الإسلام - يحق لك أخي المسلم الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري
أفضل مشاهدة باستخدام IE 8 or FIREFOX 3.0 or higher - Resolution 1024X768