أنور مالك[1]
إن عقودا قضاها الشعب الصحراوي يعاني من تجاوزات دول الجوار، والصحراء لا بد أن تكون مستقلة يحدد مصيرها أبناؤها، حيث أصبح هذا مطلبا لما عانوه في خلال الحقبة الاستعمارية أو من دول لها أطماعها أو استغلالها لظروف شعب الصحراء لضرب المناوئين لها، أو إدخال الصحراويين في اللعبة السياسية القذرة، والكثير من سكان الصحراء يعيشون في منفى إجباري في مخيمات اعتبرت لدى بعض الأطراف الدليل القاطع على الانتهاكات الحقوقية التي تقترف في حق الصحراويين.
وهو ما دفعهم للفرار بجلدهم نحو "جنة تندوف" التي يدعمها النظام العسكري الجزائري بكل ما أوتي من قوة، وصرفت المليارات التي بلغت حوالي 200 مليار دولار من خزينة الدولة على جبهة البوليساريو منذ العام 1975، بالرغم من أن أغلبها ذهبت في صفقات بين أطراف تستفيد من السخاء الجزائري المستباح، ولا أعتقد أبدا أن إنفاق هذه المليارات يدخل تحت بند دعم النظام لحق شعب الصحراء في تقرير مصيره، فالكثيرون يعرف خلفية هذا الموضوع الشائك الذي إن لم يتم تتداركه هذه الأنظمة ستكون بلا شك تداعياته وخيمة على المنطقة المغاربية كلها، وفي ظل ريف يبحث عن جمهوريته في المغرب الأقصى.
بعض القبائل ومع من يدعمونهم خارجيا بدعوى تأسيس "حكم ذاتي" للقبائل وليس للأمازيغ وهو ما يورطهم أكثر في ظل رفض "الشاوية" و"بني ميزاب" و"الطوارق" لهذه الحركة المشبوهة ولأطروحاتها العنصرية، سيكون الحكم الذاتي هذا حتما بوابة لاستقلال كامل وتقرير للمصير لكل من سيتحصل على هذا التميز، ودرس كوسوفو لا يزال أمامنا حيث بدأ بالحكم الذاتي وانتهى لإعلان الاستقلال، وإن كنت من أنصار الحكم الفيدرالي لما فيه من شرعية ورشد ونضج سياسي وديمقراطي أكثر جدّية، بعد فشل الحكم المركزي لدولة شاسعة مثل الجزائر تتوزع فيها الإثنيات والطوائف وتهددها الأطماع من كل جانب دعم العمل العسكري
الرئيس الراحل "هواري بومدين" عندما حول مجموعة طلاب تدرس في الجامعات الجزائرية ومن بينهم الرئيس الحالي للبوليساريو محمد عبد العزيز إلى تنظيم مسلح مدعوم بلا حدود سواء ماليا أو عسكريا أو سياسيا، لأجل "جمهورية صحراوية" ستكون بلا منازع بوابة الجزائر على المحيط، ومنه يصنع حاجزا واسعا بين تندوف والمملكة المغربية التي كانت يوما ما ميدانا لـ "حرب الرمال"، بل نريد أن ننقل للعالم اعترافات سجلت على ألسنة عسكريين جزائريين خدموا في ثكنات تندوف، عايشوا القضية من عمقها وكانوا شهود عيان أو متورطين مباشرين، يروون تجاربهم وأحداثا شهدوها مع هذه المخيمات التي حولت أوكارا للفاحشة المنظمة وسجونا للتعذيب والاختطاف والحجز، حيث نزعت هويات وأصالة هؤلاء بقيم متحللة وبأوامر تأتي من بعض القيادات العسكرية أو حتى من المحليين، فضلا عن البوليساريو التي تمارس سلطتها على شعب يبدو أنه مسجون في هذه المخيمات وليس فارا من جحيم الاحتلال كما يروج له، وبتعبير أفضل أنه شعب رهينة في المخيمات تستطيع السلطات ومعها البوليساريو طبعا ومن خلالهم تحقيق تلك الأطماع التي تحاك في الخفاء على حساب الشعوب المحتلة داخليا ومن طرف أنظمة البؤس والفساد هذه، وانتهاكات حقوق الإنسان الممارسة علنا وبلا أي وازع أخلاقي ولا ديني ولا قانوني وتحت شعارات براقة ومختلفة يراد من خلالها تبييض وجوههم الحالكة في السواد، فالصحراويون يعانون في الداخل ويعانون في الخارج، بل يعيشون بين مد مغربي جارف وبين جبهة تبحث عن الحكم ولو على قرية نائية في الجنوب... فساد وتواطؤ
وأكد مالك على التجاوزات التي يعانيها سكان المخيمات الذين يستغلون أبشع استغلال حيث روى الكثيرون ممن ساقتهم أقدارهم بأن يكونوا شهود عيان وبمختلف صورهم على مآسي يندى لها الجبين، لو وقفنا عندها في هذا المقام ما وسعتنا الصفحات، ففيها التفاصيل الدقيقة وحقائق سرية للغاية الوصول إليها ليس سهل المنال، فالحديث عن الدعارة التي تضرب عمق الصحراويين وبتورط متبادل ومنظم بين جبهة البوليساريو والنظام الجزائري الذي لا يزال يشعل النار، هو حديث طويل وشائك ويكشف خطورة المرحلة التي تمر بها قضية الصحراء، التي يراد لها استقلالا تقوده عصابة البوليساريو التي لم تتق الله في شعبها اللاجئ فضلا من أن تتحول إلى نظام معترف به دوليا وله النفوذ والسطوة والجيش والوزارات والسجون والسفارات في كل أنحاء العالم، أكيد أن الحال سيصل إلى درجة من السوء لا يمكن وصفها، فالربط بين قضية الصحراء التاريخية وبين جبهة البوليساريو هو في حد ذاته مؤامرة على الصحراويين، فكأن قدرهم هو نظام يحكمهم صنع في دهاليز نظام الجزائر غير الشرعي والجائر والفاسد...
[1] الكاتب الصحفي والناشط السياسي المقيم في باريس
|