معا نستكمل مسيرة الثورة

تقييم المستخدم: / 1
ضعيفجيد 

د. محمد البلتاجي

معا نستكمل مسيرة الثورةأؤمن أننا في مشهد الربيع العربي أمام فرصة نادرة التكرار في صفحات التاريخ علينا أن نتعامل معها على هذا النحو من الإدراك لخطورتها وعدم تضييعها، فنحن أمة غابت عن المشهد الحضاري زمنًا طويلاً؛ بسبب التخلف ثم بسبب الاحتلال ثم بسبب الاستبداد، وها هي قد جاءتنا الفرصة في حراك واسع عبر أقطارنا لاقتلاع الاستبداد، لنتهيأ لكتابة جولة جديدة من جولات التاريخ..

 

علينا أن نحدث ثورة كاملة من أجل تغيير كامل ليس متمثلاً فقط في تطهير كل مواقع المسئولية بلا استثناء صغيرها وكبيرها من كل المنتمين لمنهج النظام السابق، بل تغيير كل القواعد الفاسدة التي قام عليها النظام السابق في كل جوانب الحياة، والتي خلفت لنا هذا العفن والقهر والعجز والشلل والتخلف والمرض والفقر والتردي في كل جوانب الحياة..

 

نحن في مصر علينا من الواجبات نحو وطننا وأمتنا أكثر مما على غيرنا، نحن أمام ثورة شعبية سلمية مدنية قد خلعت (بتوفيق الله وفي مدى زمني أصغر وبتضحيات أقل من غيرنا) رئيس ونائب رئيس وبرلمان وحكومة وجهاز أمني متحكم في مفاصل الوطن وحزب حاكم لعشرات السنين ومجالس محلية فاسدة واتحاد عمال ربيب النظام، وهذا حلم لم يخطر لنا على بال، لكن الحقيقة أن كل هذا لم يبدأ معه مشوار التغيير الحقيقي بعد..

 

أستطيع أن أقول: إن هذه الكيانات التي تم حلها وخلعها قد جعلتنا مهيئين لبدء مشوار التغيير الذي لم يبدأ بعد ولا يزال أمامه تحديات كبيرة، ولو غفلنا أو قصرنا في تقدير هذه التحديات ومواجهتها يمكن إعادة ربط مفاصل النظام القديم بعد ترميمه في محاولة (من أطراف عديدة داخلية وخارجية) لإعادة إنتاج الماضي مع أقل قدر من التغيير الحقيقي، وهذه المحاولة تبدو معالمها واضحة في عدة محاور:

 

1- إدخال القوى السياسية في جدل وخلافات تنتهي باستنزاف طاقات الجميع وشغل أوقاتهم في معارك جانبية، وتفتيت وحدتهم، وتناوب تقريب وإبعاد الأطراف المختلفة.. والمحصلة النهائية إضعاف الجميع.

 

2- حل جهاز أمن الدولة بعد التخلص التام من كل الوثائق والمستندات التي تدين كل مكونات النظام (قيادات سياسية وحزبية وأمنية ورجال أعمال) الذين كان مطلوبًا إبعادهم عن التقديم للمحاكمات والمساءلة السياسية والجنائية من جانب وإبعاد بعضهم نهائيًّا أو مؤقتًا عن المشهد لحين الحاجة إليهم من جانب آخر، ثم إعادة إنتاج أمن الدولة (الأمن الوطني) ولكن دون إثبات إدانة للأشخاص السابقين أو للنظام السابق.

 

3- التمسك ببقايا الهيكل الرئيسي والعمود الفقري للنظام القديم بولائه المضمون وعدم خلطه بغيره، وهذا يفسر الرفض التام لتطبيق مشروع قبول دفعات من خريجي الحقوق للتدريب ثم العمل الشرطي القانوني لسد العجز الأمني، والاكتفاء بتنقلات شطرنجية لكثير من القيادات الأمنية (تغيير جغرافي ونوعي وليس تطهيرًا)، وكذلك رفض أي تغيير في سياسات أو أعداد أو حتى منهج القبول لدفعات طلاب الشرطة الجدد، وهو نفسه السبب الرئيسي لرفض تنفيذ قرار اعتبار وظائف القيادات الجامعية شاغرة وانتخاب غيرهم ورفض تنفيذ أحكام القضاء في انتخابات النقابات المهنية.

 

4- استمرار حالة من الفوضى المنظمة (والاشتباكات المقصودة والبلطجة والترويع) عن قصد دون تصفية أو مواجهة لها (ولدينا وقائع كثيرة تؤكد هذا...)، أقول: يُراد أن تستمر حالة الفوضى والبلطجة وتترعرع لتعطي مبررات لإجراءات استثنائية من نحو (استمرار وتفعيل وتوسعة حالة الطوارئ - تقديم المدنيين لمحاكمات عسكرية - مواجهات أمنية عنيفة بعد أحداث غير مبررة ولا مفهوم أسبابها ولا تطورها في كل مرة - الوصول لتجريم التظاهر والاعتصامات).

 

5- صدور قانوني الانتخابات والدوائر على هذا النحو (بالمخالفة لمطلب كل القوى السياسية)، والوصول إلى محطة الانتخابات دون صدور قانون الغدر والإصرار على إتمام الانتخابات بنسبة الـ50 % قوائم وفردي والإصرار على بدء القوائم بمرشح العمال وصغر عدد المرشحين في القائمة، والسماح لأعضاء الحزب الوطني ورموزه بتشكيل أحزاب سياسية عديدة، وكل هذا يصنع مناخًا يسهل من عودة فلول النظام السابق (حزبيين ورجال أعمال وربما أمنيين سابقين)، ويصل بنسبة العمال في البرلمان لأكثر من 65% رغم أن الصالح العام كان يقتضي إلغاء نسبة الـ50 % أصلاً، ويقلل من فرص التنسيق (بين القوى السياسية على النحو الذي يساعد للوصول لبرلمان قوي متعدد متماسك).. إذ هناك محاولة لإنتاج برلمان ضعيف متشاكس مخترق من فلول النظام، لا علاقة له بالمهام الخطيرة الملقاة على عاتقه.

 

أؤمن أننا بحاجة لأن نسعى جاهدين للحفاظ على حالة التفرد المصري في نموذج الثورة، وهو الذي صنعه الله بانحياز الجيش إلى الثورة في وقت مبكر؛ مما وفر علينا الكثير من الأوقات والتضحيات، وأؤمن أن الجيش صار شريكًا للثورة بحمايته لها، لكني أؤمن أن عقد الشراكة تضمن شرط إنفاذ مطالب الثورة وتحقيق أهدافها، وبالتالي فمن حقنا أن نقلق لمظاهر واضحة الدلالة على أن ما نحن بصدده حتى الآن ليس هو التغيير الذي قمنا بالثورة من أجله، ولا هو نتاج اللحظة التاريخية التي لا يمكن أن نقبل بتحمل مسئولية التفريط فيها والتضييع لها -مهما كلفنا من ثمن- أمام الله والتاريخ والأجيال.

 

أؤمن أننا بحاجة ماسة لبرلمان (قوي - متماسك) قادر على القيام بأعباء المرحلة وفي أوَّلها:

 

1- أن يكون هناك من يمثل الشعب تمثيلاً حقيقيًّا ليقود الثورة لاستكمال برنامجها في التطهير والتغيير الشامل وقوفًا أمام المجلس العسكري، تعبيرًا عن مطالب الشعب واستحقاقات الثورة حيث لم تشكل الثورة مجلس قيادة لها بتفويض من الشعب.

 

2- القيام بالدور الرقابي على أداء الحكومة بل على الأداء السياسي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبخاصة فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية وصلاحياتها وقواعد عملها وضمان عدم إنتاجها للماضي.

 

3- تسلم السلطة التشريعية كاملة من المجلس الأعلى للقيام بالواجبات التشريعية على النحو الذي يحقق مصالح الوطن والمواطنين وفقًا لرؤية الشعب وتطلعاته بعد الثورة. (فتنتهي صلاحيات تمديد الطوارئ، وتعدل قوانين المحاكمات العسكرية للمدنيين، ويتحقق استقلال حقيقي للقضاء وللجامعات وللنقابات المهنية والعمالية، وتصدر قوانين جديدة للحكم المحلي، فندخل لمرحلة بناء صحيح لمؤسسات الدولة على قواعد جديدة).

 

4- تشكيل هيئة تأسيس الدستور من كل مكونات الوطن ليكتب الشعب دستوره على النحو الذي ينشئ عقدًا اجتماعيًّا جديدًا لمرحلة جديدة من عمر الوطن يصبح الدستور فيها مرجعية حقيقية ملزمة للحاكم والمحكوم.

 

أؤمن أن الوصول لهذا البرلمان الذي نريده لاستكمال مسيرة الثورة من خلال ممثلين منتخبين يقودون حراك الثورة -من داخل البرلمان ومن خارجه- لتحقيق (التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية) التي تطلع إليها شعبنا بحق في لحظة تاريخية نادرة التكرار، هو مسئولية وعبء وجهاد يحتاج لأن نتعاون عليه، وليس مكاسب ومغانم ومقاعد نتصارع ونتفرق بسببها.

 

أخيرًا أرى المشهد كله تحومه المخاطر لتبديد أروع لحظات في تاريخ أمتنا المصرية عبر القرون، ومن ثَمَّ أؤكد أنه لا أمل في تحقيق مطالب الثورة ولا في الوصول للبرلمان -لاستكمال مشوار الثورة وكتابة الدستور الذي نريده- إلا بالعودة مرة ثانية للتوافق الوطني والتنسيق الكامل لاستمرار الضغط الثوري (أعني الضغط الثوري المسئول الذي لا يعطي الفرصة لتشويه وجه الثورة والثوار)، وترتيب صحيح وتنسيق جيد للعودة لميادين الثورة ما لم يتحقق (إنهاء الطوارئ - وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين - تعديل قوانين الانتخابات والدوائر وصدور قانون الغدر السياسي - وقف كل أشكال البلطجة والجريمة المنظمة ومساءلة الداخلية عنها - استقلال القضاء والإعلام والجامعات والنقابات ووقف الوصاية عليها)، نريد ضغطًا ثوريًّا يعيد قواعد اللعبة لما كانت عليه في فبراير الماضي (الشعب يريد..)، ونريد في الوقت ذاته بدء استحقاقات المرحلة لاستكمال المسيرة، نريد توافقًا واسعًا لإنجاح الانتخابات ثم إنجاح البرلمان؛ كي يقطع شوطًا حقيقيًّا في انتقال السلطة انتقالاً كاملاً لسلطة مدنية منتخبة تستكمل مسيرة التطهير والتغيير والتنمية والنهضة والاستقلال الوطني.

 

المصدر: جريدة الشروق المصرية.

 

روابط ذات صلة:

- ثورة مصر تبحث عن بوصلة

- الإسلاميون والليبراليون .. كلمة سواء

إضافة تعليق


جميع الحقوق محفوظة لموقع قصة الإسلام - يحق لك أخي المسلم الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري
أفضل مشاهدة باستخدام IE 8 or FIREFOX 3.0 or higher - Resolution 1024X768