التاريخ الإسلامي
دون تشويه أو تزوير
التاريخ الإسلامي يمتد منذ بداية الدعوة الإسلامية بعد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تأسيس الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة وحكم الخلفاء الراشدين، مرورًا بالدولة الأموية فالدولة العباسية بما تضمنته من إمارات ودول مثل السلاجقة والغزنوية في وسط آسيا والعراق وفي المغرب الأدارسة والمرابطين ثم الموحدين وأخيرًا في مصر الفاطميين والأيوبيين والمماليك ثم سيطرة الدولة العثمانية التي تعتبر آخر خلافة إسلامية على امتداد رقعة جغرافية واسعة، وهذه البوابة تعنى بتوثيق التاريخ من مصادره الصحيحة، بمنهجية علمية، وعرضه في صورة معاصرة دون تشويه أو تزوير، وتحليل أحداثه وربطها بالواقع، واستخراج السنن التي تسهم في بناء المستقبل.
ملخص المقال
علم التاريخ يجمع بين أمرين لا يجمعهما علمٌ آخر؛ وهما الفائدة والمتعة! فالكثير من العلوم مفيد؛ كعلوم الطبِّ، والفلك، والهندسة، والجغرافيا، والكيمياء،
بعد قراءةٍ متأنية للقرآن والسُّنَّة، وبعد اطِّلاعٍ وافٍ على علومٍ شتَّى، وكذلك دراسةٍ واسعة لآراء عددٍ كبيرٍ من العلماء والمفكِّرين من المسلمين وغير المسلمين، تيقَّنتُ من تقدُّم "علم التاريخ" على كثيرٍ من العلوم الإنسانيَّة، ممَّا يجعل الاهتمام به، وتفريغ الوقت لرعايته، أمرًا لازمًا لكلِّ أمَّةٍ تريد أن تفهم رسالتها في الأرض، وأن تحفظ لاسمها مكانًا بارزًا في سجلِّ الخالدين.
إنَّ هذا العلم العظيم يجمع -بالنسبة إلى عموم الناس- بين أمرين لا يجمعهما علمٌ آخر؛ وهما الفائدة والمتعة! فالكثير من العلوم مفيد؛ كعلوم الطبِّ، والفلك، والهندسة، والجغرافيا، والكيمياء، ولكنَّ كلَّ هذه العلوم غيرُ ممتعةٍ إلَّا لأهلها، أمَّا التَّاريخ، خاصَّةً إذا عُرِضَ بشكلٍ جيِّد، فهو ممتعٌ لعامَّة الناس، وكافَّة البشر؛ يستوي في ذلك المسلمون وغير المسلمين، والعرب والعجم، والأقدمون والمعاصرون، والكبار والصغار، والرجال والنساء! إنَّه شيوعٌ عجيب يجعلنا نفترض أنَّ حبَّ التاريخ والقصَّة جزءٌ من «الفطرة» الإنسانيَّة!
هذا هو الذي يُفَسِّر لنا تكرار القصص والحكايات التاريخيَّة في القرآن الكريم بشكلٍ لافتٍ وعجيب؛ فالقرآن الكريم كتابٌ محدود الصفحات، قليل الكلمات، ومع ذلك فثلثه تقريبًا عبارةٌ عن قَصَصٍ تاريخيِّ، مع أنَّه كتابٌ خاتَمٌ لن يعقبه كتابٌ إلهي، فقد يتخيَّل أحدٌ أنَّه سيكون مليئًا فقط بالقواعد والقوانين والأحكام التي يحتاجها البشر في حياتهم إلى يوم القيامة، ولن تُنْفَق منه صفحاتٌ أو سورٌ في وصف قصَّةٍ قديمةٍ مرَّت عليها مئات القرون، ولكنَّنا وجدنا غير ذلك؛ فقصص الأنبياء والأمم السَّابقة تُمثِّل جانبًا ضخمًا من الآيات القرآنيَّة، بل أحيانًا تُكرَّر القصَّةُ ذاتها مرَّاتٍ عديدةً في أكثر من موضع، في دلالةٍ واضحة على أنَّ القصَّة في حدِّ ذاتها تقوم بدورٍ تعليميٍّ وتربويٍّ لا تقوى عليه القواعد النظريَّة الصَّارمة. إنَّنا من خلال القصَّة القرآنيَّة فهمنا العقيدة السَّليمة، وعرفنا الأخلاق الحميدة، وأدركنا السُّنن الكونيَّة، وفقهنا أسس التعامل الإنساني، كلُّ ذلك دون مللٍ أو فتور، ويستوي في ذلك كلُّ قارئٍ للقرآن الكريم مهما كانت ثقافته، أو خلفيَّاته التربويَّة والبيئيَّة.
لهذه الأمور جعل الله تعالى قراءة التاريخ أمرًا إلزاميًّا على المسلمين، خاصَّةً الذين يريدون التفكُّر في وسائل إصلاح حال هذه الأمَّة، أو يريدون الخير للبشر بشكلٍ عام.
من الآيات التي «أمرت» المسلمين بشكلٍ مباشرٍ أن يستخدموا التاريخ في برامجهم التربويَّة والفكريَّة قوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]، فقصُّ القصَّة، أو بمعنى آخر دراسة التَّاريخ، ستدفع الناس إلى التفكُّر، وهذا سيدعوهم بدوره إلى الوصول إلى الحقائق النافعة والصَّادقة الخاصَّة بأمور الدُّنيا والآخرة.
وعندما ذَكَرَ اللهُ لنا هذا التَّوجيه أتبعه بتطبيق عملي كثيف في القرآن الكريم؛ فهو كثيرًا ما يذكر الحقيقة العقائديَّة أو الأخلاقيَّة في ثنايا القصَّة التاريخيَّة بصورةٍ إبداعيَّة تجعل القارئ مقتنعًا تمام الاقتناع بالقاعدة القرآنيَّة، ولو كانت عجيبة؛ فقال على سبيل المثال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]، ولم يكتفِ بذكر هذه القاعدة العجيبة إنَّما دعمها بقصَّةٍ تاريخيَّةٍ واقعيَّة حدثت بالفعل، وليس مجرَّد مثال فكري نظري، فحكى ما حدث بين طالوت وجنده المؤمن القليل في مواجهة جالوت وجنده الكافر الكثير، وتحقُّقِ النصر فعلًا، وبصورةٍ واقعيَّة، للقلَّة على الكثرة، فلا يُتَّهم الرَّاوي هنا بالإفراط في التَّفاؤل، أو بالإيمان بأمورٍ نظريَّةٍ لا تطبيق لها في حياة الناس؛ إنَّما يعرف القارئ أنَّ القاعدة التي قيلت هي قاعدةٌ منطقيَّة وعمليَّة، وهي قابلةٌ للتطبيق في الأزمان المختلفة إذا توافرت الشروط نفسها، وتوافقت الظروف والإمكانات، وهذا هو دور المؤرِّخ الذي يربط الواقع بالتاريخ، ويُحَلِّل الأحداث بصورةٍ عمليَّة تُحقِّق النَّفع للدَّارسين. إذا حدث هذا الرَّبط بشكلٍ مناسب وتلقائي فإنَّ الدارس للقصَّة يربط بينها -بصورةٍ سلسة- وبين الواقع الذي يعيشه، فيأخذ منها النور الذي يُضيء له الطريق، ويفهم منها التفسير للسُّنن الكونيَّة التي يمرُّ بها. فعل ذلك الصحابيُّ الكبير البراء بن عازب رضي الله عنه عندما فسَّر للسَّامعين سِرَّ انتصار المسلمين في بدر على مشركي مكَّة الذين يفوقونهم عددًا وعدَّة؛ فقال: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، نَتَحَدَّثُ: «أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَ مِائَةٍ»( ). إنَّه -رضي الله عنه- لم يذكر تفصيلاتٍ كثيرةً عن الموقعة، ولم يُسهب في التَّحليلات العسكريَّة التي تُفسِّر النصر الكبير؛ إنَّما فقط ذكر التاريخ الذي قصَّه القرآن الكريم، ومنه سيفهم السَّامع أنَّ المقصود هو أنَّ التاريخ تكرَّر، ونَصَرَ اللهُ القلَّةَ المؤمنة في بدر كما نصر القلَّة المؤمنة التي كانت مع طالوت.
لهذا السَّبب التربويِّ أَمَرَ اللهُ نبيَّه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يُذَكِّر الناس بقصص السَّابقين، فقال له: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ﴾ [الأحقاف: 21]، وقال أيضًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: 27]، وقال كذلك: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13].
أيضًا أكَّد اللهُ تعالى أنَّ هذا الأسلوب التربويَّ المعتمِد على دراسة التاريخ كان هو المنهج العملي للأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرة الإنسانيَّة، فشرح لنا مثلًا طريقة هود عليه السلام في نُصح قومه فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 69]، وقال على لسان صالح عليه السلام: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: 74]، وقال على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: 30، 31]، فبيَّن أنَّ كلَّ هؤلاء علَّموا أقوامهم العقيدة الصَّحيحة، والأخلاق القويمة، عن طريق التذكير بقصص التاريخ.
ولم تقف الآيات القرآنيَّة عند هذا الحدِّ من توضيح الرُّؤية، بل ألقى اللهُ تعالى اللَّوم على الأقوام الذين لم يعتبروا بحركة التَّاريخ؛ فقال مثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: 82]، ولام قريشًا لأنَّها لم تَعْتَبِر بتاريخ قوم تُبَّع وغيرهم، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: 37]، ولامهم أيضًا لأنَّهم لم يعتبروا بتاريخ قوم لوط، فقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: 137، 138]، وأكَّد الله تعالى أنَّ التَّاريخ يهدف إلى توضيح سوء الخاتمة للمعاندين والمتكبِّرين؛ فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 101]. هكذا ينبغي للتَّاريخ أن يكون مانعًا للأمم من تكرار الأخطاء الفادحة التي أدَّت إلى هلاك الأمم السَّابقة.
ولا يقف التاريخ عند حدِّ الإنذار فقط للعاصين لله والبعيدين عنه؛ إنَّما يتجاوز ذلك إلى تثبيت الذين آمنوا، وبثِّ الطمأنينة في قلوبهم في كلِّ الظروف الصَّعبة التي يمرُّون بها. يقول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120]، ففي القصص الواقعي إذن الحقُّ، والموعظة، والذكرى للمؤمنين.
وفوق إنذار العصاة وتثبيت المؤمنين يُحقِّق التاريخ فوائد جمَّة؛ ففيه تفسير سُنن الحياة التي تتكرَّر دومًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]، وفيه التعليم والتنبيه؛ فلقد قال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]؛ وفيه إقامة الحُجَّة، لقوله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111].
وعلى الرَّغم من هذه الأهمِّيَّة القصوى للتاريخ فإنَّ البشريَّة عانت لعدَّة قرونٍ من إهمالٍ شنيعٍ للتَّاريخ، واستوى في ذلك المسلمون وغير المسلمين؛ فلم يكترث بالتَّاريخ إلَّا العلماء المتخصِّصون، وطلبة العلم النابهون، بل اعتبر بعضُ العلماء قديمًا أنَّ دراسة التَّاريخ مضيعةٌ للوقت، وإهدارٌ للطاقات؛ لأنَّه -فيما يزعمون- تنقيبٌ عن أمورٍ انتهت منذ زمن، وما عاد لها تأثيرٌ مادِّيٌّ في حياة الناس، وهذا القصور في الفهم دعا العلماء الواعين لرفض هذا السُّلوك البغيض، ومنهم الفقيه المسلم الكبير الإمام شمس الدين السَّخاوي، وهو من علماء القرن التَّاسع الهجري، فدفعه ذلك إلى كتابة مؤلَّفه القيِّم: «الإعلان بالتَّوبيخ لمن ذَمَّ التَّاريخ»!
ومع ذلك فهذا السُّلوك المهمِل للتَّاريخ تغيَّر -ولله الحمد- في القرنين الأخيرين من عمر الدُّنيا؛ وحاز عِلْمُ التاريخ في معظم بلاد العالم مكانةً مرموقة، وصارت معظم الدول -وخاصَّةً المتقدِّمة منها- تسعى إلى جمع كلِّ معلومةٍ عن تاريخها، وعن تاريخ الإنسانيَّة بشكلٍ عامٍّ، وبُنِيَت المتاحف الضَّخمة التي تجمع آثار السَّلف، وصار المفكِّرون، وقادة الدول، والعلماء يحرصون على جمع تراث السَّابقين، ويُنفقون في سبيل ذلك الأموال الباهظة؛ حتى رأينا الآن القارورة المكسورة، والثياب البالية، والمخطوطة التي تحوي عِلْمًا قديمًا تجاوزته البشريَّة منذ زمن، كلَّ ذلك يُساوي مبالغ لا يتخيَّلها أحد، وما رفع قيمتها إلَّا أنَّها مثَّلت جانبًا من حركة التاريخ، وشرحت لنا شيئًا عن الماضي! والأهمُّ من ذلك وأعظم هو اهتمام العلماء في الآونة الأخيرة بالدراسات التاريخيَّة التحليليَّة التي تهدف إلى القراءة بين السُّطور، وتحليل المعلومات التي عُثِر عليها، لنفهم الدَّوافع وراء الأمور، ولنَفْقَه أسباب قيام الدُّول، وأسرار قوَّتها، وكذلك لنعلم كيف انهارت وتحطَّمت. وتفرَّع من ذلك دراساتٌ أكثر عمقًا صارت عمادًا رئيسًا لمعظم علوم الدُّنيا، وقلَّ الآن أن تجد كتابًا يتحدَّث عن أمرٍ من أمور الطبِّ، أو الفلك، أو الجغرافيا، أو السِّياسة، أو الاقتصاد، أو غير ذلك من علوم، إلَّا وقد بُدِأ بنبذةٍ تاريخيَّة عن تطوُّر هذا العلم، وكيف وصل إلى هذه الدَّرجة من التقدُّم، وما هي جهود السَّابقين في هذا المجال.
وإذا كنا نقول إنَّ العالم بأسره صار يهتمُّ بدراسة تاريخه، فإنَّ أولى الناس بذلك هم المسلمون؛ فتاريخ أمَّة الإسلام أولى بالدِّراسة من أيِّ تاريخٍ آخر، مع عدم التَّقليل من أهمِّيَّة دراسة تاريخ الإنسانيَّة كلِّه؛ ذلك أنَّ الله تعالى قال في حقِّ هذه الأمَّة الإسلاميَّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، فكأنَّ هذه الأمَّة العظيمة صارت النموذج لكلِّ أمم الأرض، وقد أخرج الله تعالى هذا النموذج للناس لكي يعتبروا به، ويهتدوا بهداه، وحقَّق سبحانه وتعالى في هذا النموذج وجوه الخير الكثيرة؛ في العقيدة، والأخلاق، وفي نفع الإنسانيَّة، وفي إصلاح الكون وتعميره، وبثَّ اللهُ تعالى في تاريخ هذه الأمَّة من العلماء والمجدِّدين ما يجعلها تعرف حقَّ ربها، وحقَّ البشر، فصارت بذلك دليلًا لهداية العالمين. نَعَمْ هي في النهاية نموذجٌ لأمَّةٍ إنسانيَّةٍ تجري عليها كلُّ أحكام البشر؛ من الخطأ، والنسيان، والجهل، وكلُّ أمور القصور المختلفة، ولكنَّها في المجمل تصلح لأن تكون نموذجًا للناس، بل هي كذلك، ولئن كانت قد مرَّت عليها فتراتٌ من الضَّعف والانكسار، فإنَّ هذا لا ينتقص من صلاحيَّة هذا النموذج الباهر، الذي ظلَّ محافظًا -على الرَّغم من العوائق الكثيرة، والتحدِّيَّات الضخمة- على فهمٍ سليمٍ لقيمة الدُّنيا بالقياس إلى الآخرة، وإدراكٍ واعٍ لمهمَّة الإنسان على الأرض، وغير ذلك من أمورٍ عميقةٍ ابتعدت عن مفاهيم كثيرٍ من البشر.






التعليقات
إرسال تعليقك